العيني

240

عمدة القاري

ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم في الحج عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة ، ومحمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب أربعتهم عن أبي معاوية عن الأعمش به ، وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن كثير به ، وأخرجه الترمذي فيه عن هناد عن أبي معاوية به . وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم . ذكر معناه : قوله : ( أني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ) ، تكلم الشارحون في مراد عمر ، رضي الله تعالى عنه ، بهذا الكلام ، فقال محمد بن جرير الطبري : إنما قال ذلك لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام ، فخشي عمر ، رضي الله تعالى عنه ، أن يظن الجهال بأن استلام الحجر ، هو مثل ما كانت العرب تفعله ، فأراد عمر ، رضي الله تعالى عنه ، أن يعلم أن استلامه لا يقصد به إلاَّ تعظيم الله ، عز وجل ، والوقوف عند أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأن ذلك من شعائر الحج التي أمر الله بتعظيمها ، وأن استلامه مخالف لفعل الجاهلية في عبادتهم الأصنام ، لأنهم كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى ، فنبه عمر على مخالفة هذا الاعتقاد ، وأنه لا ينبغي أن يعبد إلاَّ من يملك الضرر والنفع ، وهو الله جل جلاله ، وقال المحب الطبري : أن قول عمر لذلك طلب منه للآثار وبحث عنها وعن معانيها . قال : ولما رأى أن الحجر يستلم ولا يعلم له سبب يظهر للحس ، ولا من جهة العقل ، ترك فيه الرأي والقياس ، وصار إلى محض الاتباع ، كما صنع في الرمل . وقال الخطابي : في حديث عمر من الفقه أن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم ، واجبة وإن لم يوقف فيها على علل معلومة وأسباب معقولة ، وأن أعيانها حجة على من بلغته وإن لم يفقه معانيها ، ومن المعلوم أن تقبيل الحجر إكرام وإعظام لحقه . قال : وفضَّل الله بعض الأحجار على بعض ، كما فضل بعضَ البقاع على بعض ، وبعض الليالي والأيام على بعض . وقال النووي : الحكمة في كون الركن الذي فيه الحجر الأسود يجمع فيه بين التقبيل والاستلام ، كونه على قواعد إبراهيم ، وفيه الحجر الأسود ، وأن الركن اليماني اقتصر فيه على الاستلام لكونه على قواعد إبراهيم ولم يقبَّل ، وإن الركنين الغربيين لا يقبلان ولا يستلمان لفقد الأمرين المذكورين فيهما . قوله : ( ولا تضر ولا تنفع ) يعني إلاَّ بإذن الله ، وروى الحاكم من حديث أبي سعيد : ( حججنا مع عمر ، رضي الله تعالى عنه ، فلما دخل الطواف استقبل الحجر ، فقال : إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَّلك ما قبلتك ، ثم قبله ، فقال علي ، رضي الله تعالى عنه ، إنه يضر وينفع . قال : بِمَ ؟ قال : بكتاب الله تعالى . عز وجل * ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسكم ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ) * ( الأعراف : 271 ) . وذلك أن الله لما خلق آدم مسح يده على ظهره فقررهم بأنه الرب ، وأنهم العبيد وأخذ عهودهم ومواثيقهم ، وكتب ذلك في رق ، وكان لهذا الحجر عينان ولسان ، فقال : إفتح ، ففتح فاه فألقمه ذلك الرق ، فقال : أشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة ، وأني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان دلق يشهد لمن يستلمه بالتوحيد ، فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع . فقال عمر ، رضي الله تعالى عنه : أعوذ بالله من قوم لست فيهم يا أبا الحسن ) . وفي سنده أبو هارون ، عمارة بن جوين ضعيف ، ورواه الأزرقي أيضا في ( تاريخ مكة ) وفي لفظه : ( أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم ) . ومن الحكمة في تقبيل الحجر الأسود غير ما ذكر عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه من أحجار الجنة على ، ما يأتي ، فإذا كان كذلك فالتقبيل ارتياح إلى الجنة وآثارها . ومنها : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أخبر أنه يمين الله في الأرض ) ، رواه أبو عبيد في ( غريب الحديث ) . وفي ( فضائل مكة ) للجندي من حديث ابن جريج عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عباس : ( إن هذا الركن الأسود هو يمين الله في الأرض ، يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه ) . ومن حديث الحكم بن أبان عن عكرمة عنه زيادة : ( فمن لم يدرك بيعة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ثم استلم الحجر فقد بايع الله ورسوله ) . وفي ( سنن ابن ماجة ) من حديث أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من فاوض الحجر الأسود فكأنما يفاوض يد الرحمن ) . وقال المحب الطبري : والمعنى في كونه يمين الله ، والله أعلم ، أن كل ملك إذا قدم عليه قبلت يمينه ، ولما كان الحاج والمعتمر أول ما يقدمان يسن لهما تقبيله ، فنزل منزلة يمين الملك ، ويده ، ولله المثل الأعلى ، ولذلك من صافحه كان له عند الله عهد ، كما أن الملك يعطي العهد بالمصافحة . ذكر ما يستفاد منه فيه : أن تقبيل الحجر الأسود سنة ، وقال الترمذي : العمل على هذا عند أهل العلم يستحبون